صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
53
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
عن الدنيا انشطرت الشخصية الفردية وتداعت علاقات المجتمع ، وحدثت هزات وهزات في المجتمع والفرد على السواء . وإذا كان مفهوم الاستقلال الذاتي من المفاهيم القوية السائدة في المجتمعات المعاصرة ، إذ أصبح يؤكد في كل مجالات النشاط الإنسانى وحركته « على الخصائص الذاتية المميزة لشخصية المجتمع » مما يعني « تأكيد الهوية الثقافية » فإن الملاحظ أن المجتمع الإسلامي المعاصر يعاني من قصور في تأكيد ذاته وهويته الثقافية ، إلى جانب معاناته من قصور في الوسائل الحضارية والمادية ، ولعل هذا يعود في معظمه إلى معاناته الحقيقية من تخلخل البناء المعياري القيمي ، واهتزاز نسق القيم الخلقية ، وبالتالي اختلال واضطراب في الأهداف التربوية ، التي تتأرجح بين مثالية ومادية ، مثالية طموحة ، وواقعية أو مادية مخلخلة مضطربة ، وبتعبير أصح هو انفصام بين التصور والواقع المعاش ، بين الغايات والوسائل . ومما زاد في تفاقم الأمر تعرض العالم المعاصر لموجة من الاهتزازات الخلقية المتناقضة ، وتتمثل في مظاهر متضاربة ومتناقضة من الممارسات وأنماط السلوك الفردية والسياسية ، والاجتماعية . التي تسلب الأفراد والجماعات السعادة والأمن والأمان والاستقرار ، بل تضعف العلاقات في ميادين الحياة المختلفة ، ولقد أعطت التسهيلات المادية التكنولوجية الحديثة هذه الهزات والفجوات صفة العالمية ، ولم يعد بمقدور مجتمع ما إغلاق منافذه أمامها أو النجاة منها » « 1 » . إزاء كل ما سبق ، وفي سعي المجتمع الإسلامي في تعدده وتنوعه إلى تحقيق الذات ، والبناء الذاتي المتميز القادر على العطاء والإبداع ، وتأكيد الهوية والشخصية ، فإنه يمكنه أن يؤكد ذلك من خلال أهم ما يميزه وهو القيم الإسلامية النابعة من المصادر الأصيلة ، والعلاقات الإنسانية التي يحاول التمسك بها ، وأهميتها لا تنكر للمجتمع وللتربية ، إذ أن القيم والأخلاق أهم عناصر العملية الاجتماعية - التربوية - ، ويلاحظ أن ظهور القيم - عند البعض - هو الحد الفاصل بين الذاتية والموضوعية ، وبين الحقائق والأحكام ، وبين ما هو كائن ، وما يجب أن يكون ، وبين الغايات والوسائل ، وبين المعقول واللامعقول . ومع هذا فإن بعض علماء القرن الحالي ( العشرين ) لا يطمئنون إلى موضوع القيم ، بل ظهرت محاولات لاجتثاث علم القيم من العلوم الموضوعية ، بل من المفاهيم السلوكية لموضوع التعلم ، ولاستبعاده من الأسس السلوكية والنفسية ، ورغم هذا ؛ فإنهم عند إصدار الأحكام يجعلون للقيم دورا أساسيا تؤديه ، لأن عملية إصدار الأحكام تبنى على وزن الأفضليات ، وعلى الموازنة بين المساوىء والمحاسن ، وعلى اختيار النتائج المترتبة مستقبلا على الأحكام الحالية ، فإذا لم تكن هناك قيم ، أو إذا كانت
--> ( 1 ) ماجد عرسان الكيلاني : اتجاهات معاصرة في التربية الأخلاقية ، عمان ، دار البشير 1991 م ، ص 5 ( بتصرف يسير ) .